الآلوسي

60

تفسير الآلوسي

تبرأ منه وقال له ما قال ، فذلك قوله تعالى : * ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ) * ( الحشر : 16 ) الآية ، وهذا الرجل هو برصيصا الراهب ، وقد رويت قصته على وجه أكثر تفصيلاً مما ذكر وهي مشهورة في القصص ، وفي " البحر " إن قول الشيطان : * ( إني أخاف الله ) * كان رياءاً وهو لا يمنعه الخوف عن سوء يوقع فيه ابن آدم ؛ وقرئ أنا برئ ، وقرأ الحسن . وعمرو بن عبيد . وسليم بن أرقم - فكان عاقبتهما - بالرفع على أنه اسم كان ، وأنهما الخ في تأويل مصدر خبرها على عكس قراءة الجمهور . وقرأ عبد الله . وزيد بن علي . والأعمش . وابن أبي عبلة - خالدان - بالألف على أنه خبر إن ، * ( وفي النار ) * متعلق به ، وقدم للاختصاص ، وفيها تأكيد له وإعادة بضميره ، وجوز أن يكون - في النار - خبر إن ، و - خالدان - خبر ثانياً وهو في قراءة الجمهور حال من الضمير في الجار والمجرور . * ( ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) * . * ( يَاأَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا الله ) * في كل ما تأتون وتذرون * ( وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لغَد ) * أي أيّ شيء قدمت من الأعمال ليوم القيامة عبر عنه بذلك لدنوه دنو الغد من أمسه ، أو لأن الدنيا كيوم والآخرة غده يكون فيها أحوال غير الأحوال السابقة ، وتنكيره لتفخيمه وتهويله كأنه قيل : * ( لغد ) * لا يعرف كنهه لغاية عظمه ، وأما تنكير * ( نفس ) * فلاستقلال الأنفس النواظر كأنه قيل : ولتنظر نفس واحدة في ذلك ، وفيه حث عظيم على النظر وتعيير بالترك وبأن الغفلة قد عمت الكل فلا أحد خلص منها ، ومنه ظهر - كما في " الكشف " - أن جعله من قبيل قوله تعالى : * ( علمت نفس ما أحضرت ) * ( التكوير : 14 ) غير مطابق للمقام أي فهو كما في الحديث " الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة " لأن الأمر بالنظر وإن عم لكن المؤتمر الناظر أقل من القليل ، والمقصود بالتقليل هو هذا لأن المأمور لا ينظر إليه ما لم يأتمر ، وجوز ابن عطية أن يراد بغد يوم الموت ، وليس بذاك ، وقرأ أبو حيوة . ويحيى بن الحرث - ولتنظر - بكسر اللام ، وروي ذلك عن حفص عن عاصم ، وقرأ الحسن بكسرها وفتح الراء جعلها لام كي ، وكان المعنى ولكي تنظر نفس ما قدمت لغد أمرنا بالتقوى * ( واتَّقُوا الله ) * تكرير للتأكيد ، أو الأول في أداء الواجبات كما يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل وهذا في ترك المحارم كما يؤذن به الوعيد بقوله سبحانه : * ( إنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بمَا تَعْمَلُونَ ) * أي من المعاصي ، وهذا الوجه الثاني أرجح لفضل التأسيس على التأكيد ، وفي ورود الأمرين مطلقين من الفخامة ما لا يخفى ، وقيل : إن التقوى شاملة لترك ما يؤثم ولا وجه وجيه للتوزيع والمقام مقام الاهتمام بأمرها ، فالتأكيد أولى وأقوى ، وفيه منع ظاهر ، وكيف لا والمتبادر مما قدمت أعمال الخير كذا قيل ، ولعل من يقول بالتأكيد يقول : إن قوله سبحانه : * ( إن الله خبير ) * الخ يتضمن الوعد والوعيد ويعمم ما قدمت أيضاً ، ولعلك مع هذا تميل للتأسيس . * ( وَلاَ تَكُونُواْ كَ الَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) * . * ( وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذينَ نَسُوا اللَّهَ ) * أي نسوا حقوقه تعالى شأنه ، وما قدروا الله حق قدره ولم يراعوا مواجب أمره سبحانه ونواهيه عز وجل حق رعايتها * ( فَأَنْسَاهُمْ ) * الله تعالى بسبب ذلك * ( أَنْفُسَهُمْ ) * أي جعلهم سبحانه ناسين لها حتى لم يسعوا بما ينفعها ولم يفعلوا ما يخلصها ، أو أراهم جل جلاله يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم أي أراهم أمراً هائلاً وعذاباً أليماً ، ونسيان النفس حقيقة قيل : مما لا يكون لأن العلم بها حضوري ، وفيه نظر وإن نص عليه ابن سينا وأشياعه * ( أُولَائكَ هُمُ الفَاسقُونَ ) * الكاملون في الفسوق . وقرأ أبو حيوة - ولا يكونوا - بياء الغيبة على سبيل الالتفات ، وقال ابن عطية : كناية عن نفس المراد بها الجنس . * ( لاَ يَسْتَوِى أَصْحَاب النَّارِ وَأَصْحَابالْجَنَّةِ أَصْحَابالْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ ) * .